المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المقامة البغدادية للقرني


عبد الله العراقي
13-04-10, 03:36 PM
المقـامَــــة الـبغـداديَّــــة

(( من لم يدخل بغــداد لم يدخل الدنيــا ))
لبغداد العراق دموع صب
تذكّرك الربوع حياة قوم



على عرصاتها ذبنا غراما
هموا كانوا لدنيانا قواما



اجتمع أربعة أدباء ، نجباء خطباء ، فتعاهدوا ، وتعاقدوا ، وتواعدوا ، على أن يصفوا بغداد ، دار الأمجاد ، وبيت الأجواد ، وكوكبة البلاد .
فالأول : عليه وصف علمائها ، وفقهائها .
والثاني : يصف خلفاءها وأمراءها .
والثالث : يصف شعراءها وأدباءها .
والرابع : يصف أرضها ، وسماءها ، وماءها ، وهواءها ، وبهاءها .
فبدأ الأول ويُدعى أبا قتادة ، وهو صاحب ذكاء وإجادة ، وعلم وإفادة .
فقال : والله لو كتبت بدمع العيون ، على صفحات الجفون ، ما أنصفت بغداد على مداد القرون ، لكن سوف أصف ما كان فيها من علم وعلماء ،بلغ مجدهم الجوزاء :
ما الدار بعدَك يا بغداد بالدار




تفنى عليك صباباتي وأشعاري


أنت المنى وحديث الشوق يقتلني




من أين ابدأ يا بغداد أخباري



ولكن أقول ، بعد الصلاة والسلام على الرسول : اعلم أن من بغداد أشرقت شمس الرواية ، وبزغ فجر الدراية ، كانت في العلوم آية ، وفي الفنون غاية . فكان بها أهل الحديث ، ولم يكن بها بعثيّ خبيث .
المقامَة البغداديَّة

ولك أن تتخيل مجلس أحمد بن حنبل ، عمائم بيضاء ، وهمة قعساء ، وسكينة وحياء . إذا قال أحمد : حدثنا أو أخبرنا ، أطرقت الرؤوس ، وخشعت النفوس ، وتفتحت أبواب السموات ، وتنـزلت الرحمات :
سقوني وقالوا لا تغنِّ ولو سقوا




جبال سلمى ما سُقِيتُ لَغنّتِ



ثم تذهب إلى مجلس فيه طائفة من الخاشعين ، فتجد وسطهم يحيى بن معين ، يحدث عن رسول رب العالمين ، يجرّح ويُعدّل ، ويُجْمِل ويُفصَّل ، كأنه ميزان منـزل .
لو حل خاطره في مقعد لمشى




أو ميت لصحا أو أخرس خطبا



ولله كم من ذكريات تشجيني ، إذا ذكرت علي بن المديني ، ذاك البطل ، إمام العلل ، السليم من الزلل ، فتراه يفتش الأسانيد ، وينخل المسانيد ، بفهم دقيق ، وعلم وتحقيق ، يعرف العلة في المسند المستقيم ، كما يعرف الطبيبُ السقيم .
برأيٍ مثل ضوء الفجر ضافٍ




كأن بريقه حد الحسامِ



ولا تنس البخاري ، الضياء الساري ، والنهر الجاري ، قيد الألفاظ ، وأفحم الحفاظ إن شك في حديث علقه ، وإن طال متنه فَرّقه ، وإن لقي كاذباً مزّقه ، هو السيف الحاسم لسنة أبي القاسم ، اقرأ تبويبه ، افهم ترتيبه ، لترى كل عجيبة .
من كالبخاري إذا ما قال حدثنا




أو بوّب الباب أو شدَّ الأسانيدا


كأنما هو إلهام يعلمه




أو أنّه قبس يعطاه تأييدا



بغداد تشرفت بالسفيانين الثوري وابن عيينة ، وأصبحت بالعلماء أجمل مدينة ، وهي مدينة الكرخي معروف ، والإمام الشافعي المعروف .
المقامَة البغداديَّة

من بغداد أصحاب الصحاح والسنن ، وأهل الذكاء والفطن . وهي للحديث دار الضرب والصلب بها تضرب الموضوعات للوضاعين ، ولكن تصلب الكذّابين على خشب السلطان المتين . قال بعضهم : من لم يدخل بغداد لم يدخل الحياة الدنيا، ومن لم يشاهد حسنها ما شاهد النجوم العليا .
فقام الثاني يصف الخلفاء والأمراء ، الذين ملؤوا الدنيا بالعطاء والسخاء .
فقال : هذه مدينة السفاح ، الذي خضب السيوف والرماح ، وكان لكل مجرم بطاح ، ولكل عدو نطاح .
هذه مدينة المنصور ، صاحب الدور والقصور ، الداهية الجسور ، والأسد الهصور .
هذه مدينة الرشيد ، صاحب القصر المشيد ، والمجد الفريد ، والصيت البعيد .
هذه مدينة المأمون ، صاحب الفنون ، وجامع المتون ، ولكنه بالفلسفة مفتون .
هذه مدينة المعتصم المغوار ، الذي أوطأ الخيل الكفار ، وأورد نحورهم كل بتار .
بغداد أنت حديث الدهر والأممِ




إذا مدحتك سال السحر من قلمي


أنت المنى أنت للتأريخ ملحمة




كم من رشيد ومأمون ومعتصمِ



ثم قام الثالث يصف الأدباء ، ويثني على الخطباء .
فقال : في بغداد أكبر ناد ، للشعراء الأجواد ، إذا شرب الشاعر من ماء الفرات ، أتى بالمعجزات ، وخلب الألباب بالأبيات ، سَمِّ لي شاعراً ما دخل بغداد، اذكر لي أديباً ما تشرف بتلك البلاد :
بغداد يا فتنة الشرق التي خلبت




بسحرها العقل والأقلام والأدبا


ماذا أردد يا بغداد من حزني




إذا ذكرتك بعت الهم والنصبا

عبد الله العراقي
13-04-10, 03:37 PM
من بغداد أبو تمام ، والبحتري الهمام ، وترنح بها المتنبئ بعض عام .
سجل بها ابن الرومي رواياته ، وأبدع إلياذاته ، وأروع أبياته .
وفي بغداد أبو العتاهية ، الشاعر الداهية ، منذر القلوب اللاهية، وصاحب الرسائل الباهية ، الآمرة الناهية . وهي أرض بشار ، ناسج أجمل الأشعار .
من بغداد انطلقت في البحار والبراري ، رائعة ابن الأنباري : علو في الحياة وفي الممات . من بغداد استمع الدهر في عجبْ ، لدويّ : السيف أصدق أنباء من الكتبْ .
بغداد مهرجان أدبي كبير ، لكل أديب نحرير ، فيها شعر ونثر ، وحصباء ودر ، وصديق وزنديق ، وحر ورقيق ، وموحد وملحد ، وحانوت ومسجد ، وبارة ومعبد ، ومقبرة ومشهد ، جد وهزل ، وحب وغزل ، كأن التاريخ كله في بغداد اجتمع، وكأن الدهر لصوتها يستمع . وكأن ضوء الشمس من بغداد يرتفع .
مصيبة بغداد الحكام الأقزام ، من عينة صدام ، أبطال الشنق والإعدام .
فقام الرابع فقال : كأن الأرض أخذت من بغداد جمالها ، أفدي بنفسي سهلها وجبالها ، دجلة له خرير ، والفرات له هدير ، والنسيم به له زئير ، كأن الهواء سرق من المسك أريجه ، وكأن الماء أخذ من العاشق نشيجه . تغار من زهر بغداد الزهراء ، وتحمر خجلاً من حسن بغداد وجنتي الحمراء .
كأن السحاب في سماء بغداد مع الشفق خضاب ، وكأن بريق الفجر في مشارف بغداد ذهب مذاب . كأن وجه بغداد مشرق ، قبل ميشيل عفلق . فلما دخلها الرفاق ، وحزب النفاق ، كتب على بغداد الشقاء والإخفاق .
لله يا بغداد أنت نشيدة




غنت بك الأعصار والأمصار


من لم ير ذاك الجمال فإنه




ضاعت عليه مع المدى الأشعار




أظن بغداد أصابها عين ، أو دخلها لعين ، ما لها قتلت المبدعين ، وطردت اللامعين.
المقامَة البغداديَّة

ماذا أصابك يا بغداد بالعـين




أليس كنت يقينا قرة العين



وأنا عاتب على بغداد ، والعتاب لا يغير الوداد ، لأنه جُلد بها أحمد ، وقُتل بها أحمد، وأُكرم بها أحمد . فجُلد بها أحمد بن حنبل ، الإمام المبجل، وقُتل بها أحمد بن نصر الخزاعي ، الإمام الواعي ، وهو إلى الحق داعي ، وإلى البر ساعي، وأُكرم بها أحمد بن أبي دؤاد ، داعية البدعة والعناد ، والفتنة والفساد .
لكن بغداد لها حسنات يذهبن السيئات . ونهر الفرات ودجلة يطهران من الحدث ، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث .

مريم2003
13-04-10, 05:27 PM
مقامه رائعه عن الحبيبه بغداد
فك الله اسرها واعاد لها زهوها لتكون دارا للعلم والسلام
كما كانت
والف شكر لك اخي عبدالله على النقل الموفق

عبد الله العراقي
13-04-10, 07:37 PM
اللهم امين
والف شكر لك اختي مريم لمروركِ العطر وتثبيتكِ للموضوع